منشورات نشرة التبليغ الديني »

غرور الدنيا الفانية

غرور الدنيا الفانية

بسم اللَّه الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.
قال تعالى في كتابه المجيد: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ). [ق : 22]
حالة الإنسان في الدنيا:
إنّ الإنسان في هذه الحياة الدنيا له حالتان: حالة تبصرة، وحالة غشوة. حالةٌ يعيش فيها مع اللَّه وما أَمَر، وحالةٌ بعيدٌ عن اللَّه، منغمساً في شهوات الدنيا ورغباتها، ويُعزى ذلك للفهم الذي فهمه من سبب الوجود في الدنيا، فمنهم من عرف حقيقتها وأنها طريقٌ للآخرة وأنها دارٌ بالبلاء محفوفة بل هي مزرعة الآخرة، ومنهم من فهم الدنيا على أنها دار مقرٍ وسعادةٍ وهناءٍ.
لذلك نرى أن اللَّه عزّ وجلّ بيّن لنا حقيقة الدنيا: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ). [الحديد : 20]
فيبيّن لنا أن هذه الدنيا هي خداع ولا واقع لها، بل حقيقتها لعب ولهو وزينة وتفاخر وهي متاع الغرور، وأن المنغمس بها إنما هو في خُسران، لأنه لا بقاء ولا خلود في الدنيا، بل السعادة والهناء والخلود لدار البقاء “الجنان”، والدنيا إنما هي للبلاء والإمتحان قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ? [الملك : 2]. وقال تعالى عن الآخرة: ?تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). [النساء : 13]
فمن يَعيش في الدنيا على أنها دار بقاءٍ وسعادةٍ، فهو في غفلةٍ وقد غُشِيَ على بصره وبصيرته فلم يرى الحقيقة، واللَّه يحذرهم أنهم بعد الموت ستنكشف لهم الحقيقة، ويرَونَ واقع الأمر، عند ذلك لا ينفع الندم. قال تعالى: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ). [ق : 22]
الدنيا الممدوحة والدنيا المذمومة:
وليُعلم أنّ المراد بذمِّ الدنيا هي العيش فيها بما يُسخط اللَّه، وهذا يحصل بالتمتع بملذّاتها وشهواتها المحرمة من أكلٍ وشربٍ وسلطة ومنصب وغير ذلك، أما العيش في الدنيا بملذّاتها المحللة من مأكلٍ ومشربٍ من غير إسرافٍ وتبذيرٍ بهدف التقوّي على الآخرة والرعاية والتكفل لعباد اللَّه، فهو من الآخرة لا من الدنيا، والشاهد على ذلك من الآيات، قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف : 32]. ومن الروايات كلام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في البصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده فلما رأى سعة داره قال (عليه السّلام): «مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا وَأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا، فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السّلام) أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بْنَ زِيَادٍ، قَالَ (عليه السّلام): وَمَا لَهُ قَالَ: لَبِسَ الْعَبَاءَةَ وَتَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا قَالَ (عليه السّلام): عَلَيَّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ (عليه السّلام): يَا عُدَيَّ (تصغير عدوّ) نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ، أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ، أَتَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا، أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السّلام) هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ، قَالَ (عليه السّلام): وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ». [نهج البلاغة: ج2، ص188]
الدنيا وطول الأمل:
وليُعلم أنّ الإنغماس بالدنيا والعمل بها متأملاً الخلود فيها يُنسي الأجل، فلا يكاد الإنسان يتذكر آخرته، ولا يعتبر ممن مضى من أسلافه وآباءه الذي ملكوا الديار قبله، بل تراه يتفاخر بعظامهم النخرة وأمجادهم الزائفة، ويستمر في عُتُوِّه وتكبّره ولهوه، متناسياً أنه عمّا قليل سيصبح مثلهم، وغافلاً عمّا سيؤول إليه، فيطول أمله بالدنيا ويحسب أنه سيخلّد فيها، وأنّ الموت عنه بعيد، فقد رُوي عن الإمام الكاظم (عليه السّلام) أنه قال: «إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً» [الوافي: ج17، ص41]، وعن أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السّلام) أنه قَالَ: «رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ حُبُّ الدُّنْيَا». [الكافي: ج2، ص315]
ولهذا أشار أمير المؤمنين وسيد الوصيين (عليه السّلام) في نهج البلاغة عندما تلى قوله تعالى: ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُJحَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ). «يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ، وَزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ، وَخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ، لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ، وَتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ؟ أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ؟ يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ، وَحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ، وَلَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً، وَلَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ، لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ، وَضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ، وَلَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ وَالرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ضُلَّالًا وَذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا، تَطَئُونَ فِي هَامِهِمْ، وَتَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ، وَتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا، وَتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا، وَإِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ بَوَاكٍ وَنَوَائِحُ عَلَيْكُمْ، أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ، وَفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ وَحَلَبَاتُ الْفَخْرِ مُلُوكاً وَسُوَقاً، سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلًا، سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ، وَضِمَاراً لَا يُوجَدُونَ». [نهج البلاغة: ج2، ص204]
نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يخرجنا من هذه الدنيا حتى يرضى عنّا ويحشرنا مع محمدٍ وآله الطاهرين (عليهم السّلام).

بقلم : السيد عباس إبراهيم أبو الحسن

نشرة النبليغ الديني العدد 46
http://www.tablighdini.com/box/subnashra.asp?nashraID=48


لا توجد تعليقات، كن الأول بكتابة تعليقك