منشورات نشرة التبليغ الديني »

الإمام عليّ (عليه السّلام) سيّد كل زمن

الإمام عليّ (عليه السّلام) سيّد كل زمن

إنَّ القوانين الدنيوية تنقسم إلى قوانين ثابتةٍ لا تتغير أبداً مهما طرأ عليها من الحوادث، وهي ثابتةٌ سواء كانت قوانين فطرية أم شرعية أو غيرها كأحكام الضرر واجتماع النقيضين وغيرها، وقوانين متغيرة حسب الظروف الخاصة بها مثل قوانين الدستور والسَير، وبعض الأحكام الشرعية الفرعية وغير ذلك.
لذلك كما نرى أنّ من يسبر التأريخ منذ ولادة سيدنا آدم (عليه السّلام) إلى يومنا هذا وينظر إلى الحكماء والعلماء والعظماء والفلاسفة والقادة وغيرهم يجد الحالة ذاتها، فمنهم من خلّده الدهر، وهو رجلٌ لكل زمن ولكل وقت، تحتاجه الأمة في كل حين، وكلما تمعّنت به وبإنتاجاته تجده دواءً لكل داء، يُلم بقضايا المجتمع، وتجد أيضاً أشخاصاً عاشوا زمنهم ولم يتجاوزه لغيره بل أصبحوا إما منسييّن أو لا يُذكرون إلا كتأريخ فقط، فما قدموه من خبراتٍ وعلومٍ كان نافعاً لذلك الزمن، إما بانتهاء ما أتَوْا به، أو أنّ ما أبدعوه وأظهروه نَقَضَه من أتى بعدهم، فذِكرهم باقٍ ببقاء حاجة المجتمع لهم وقد يختلف الأمد في ذلك بين سنة وعشرة ومئة أو أكثر.
فلو أخذنا على سبيل المثال ”أرسطو” الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، فقد كان هذا الفيلسوف اليوناني المعروف بِتَبَحُرِهِ في معظم العلوم، فتراه عالماً بالحيوان والرياضيات والطب، وكان مُنجّماً ومُفكِراً وفيلسوفاً إلى غير هذه الأمور، فقد بَرَزَ هذا الرجل في زمانه حتى عُدَّ مُعلّم البشرية لكثرة علومه ونفعه للناس، إلا أنّ هذا المجد لم يبقَ إلى مدى الدهر، وآرائُه لم تُخَلّد ولم تبقَ من دون نقض وإبرام واعتراض، وإن كان يصعب على فيلسوفٍ أو مفكرٍ أن يتعرّض لرأيٍ مخالفٍ لأرسطو، فهذا ابن سينا في مقدمة ”الحكمة المشرقية” يقول: «كنّا أحياناً لا نتجرأ على إظهار عقائدنا الخاصة على أنها لنا، كنا نذكرها ضمن عقائد أرسطو حتى يقبلها الناس» [الإسلام دين الله: ص314]، ولكن في النهاية لم تُخلد آراء أرسطو ولم تبقَ مدى الزمن يحتاج إليها الناس، بل نُقضت وتُركت وأصبحت مرجعاً يأخذ ببعضها ويترك الآخر. .
وكلامي حول شخصيةٍ عظيمةٍ خُلدت مدى الدهر، سرمديةُ الوجود، فهو رجلُ كلِ زمان، وفارسُ كل ميدان، وأسد كل غاب، عبقريٌ أوحديٌ، تفرَّد وخُلِّد، أعدل حاكم في الوجود، أصبح شمساً للعالم ينتفع الكل منه، لم يكن لزمنٍ أو لأُمةٍ، ذاك نفس رسول الله (صلّى اللَّه عليه وآله)، من نَهِلَ من عِلمه، وتأدب بأدبه، أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ويعسوب الدين، وسيد الفصاحة والأدب وكل أمر، آثارُه بقيت وخُلِّدت لحاجة الناس إليها في كل زمن، كحال كتاب الله عز وجل، فهو دستورٌ سماويٌ خالد إلى آخِرِ الزمن، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأمير المؤمنين (عليه السّلام) هو القرآن الناطق المترجم لكتاب الله عز وجل، كيف وقد قال النبي (صلّى اللَّه عليه وآله): «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار». [بحار الأنوار: ج28، ص368]
فكل طالبٍ للحق والعلم والخُلق والأدب وكل صفات الكمال يجدها عند عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، وقد أقر العلماء والأدباء وفلاسفة العصور أنه لم ولن يأتي رجلٌ كعليٍّ علماً وعظمةً وقدرةً وحكمةً وبلاغةً، بل أُخِذت أقواله للتدبر والعلم والعمل.
فالإمام (سلام اللَّه عليه) كالشمس لا يغيب نورَه. وإليك بعض ما ذُكِرَ فيه ليُعلم أنه سيد كل زمن:
وقال جورج جرداق مؤلف كتاب الإمام علي صوت العدالة الانسانية: «وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كل زمنٍ علياً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره». [الإمام علي صوت العدالة الانسانية: ج1، ص53]
وينقل جورج جرداق ما قاله الدكتور شبلي شميل المتوفى سنة (1335هـ – 1917م) وهو من كبار المادييّن في القرن الماضي يقول: «الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) عظيمُ العظماء، نسخةٌ مفردةٌ لم يرَ لها الشرق ولا الغرب صورةً طبق الأصل لا قديماً ولا حديثاً». [الإمام علي صوت العدالة الانسانية: ج1، ص41]
وقال عمر بن الخطاب: «عجزت النساء أن يلدنَ مثل علي بن أبي طالب (عليه السّلام)». [بحار الأنوار: ج30، ص697]
وسُئل خليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العَروض: «ما الدليل على أنّ علياً (عليه السّلام) إمام الكل في الكل قال: إحتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل». [تنقيح المقال: ج26، ص12]
قال الدكتور السعادة: «قد أجمع المؤرخون وكتب السِيَر على أن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) كان ممتازاً بمميزات كبرى لم تجتمع لغيره، هو أمة في رجل». [الإمام علي بن أبي طالب: ص135]
وقال جبران خليل جبران: «إن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى من عداه من الأصحاب شَبَه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدة الإقتراب ممسوس في ذات الله». [حاشية الشفاء : ص566]
وعن عامر الشُعبي قال: «تكلم أمير المؤمنين (عليه السّلام) بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالاً، فَقَأنَ عيون البلاغة وأَيتَمنَ جواهر الحكمة، وقطعنَ جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن، ثلاث منها في المناجاة، وثلاث منها في الحكمة، وثلاث منها في الأدب فأما اللاتي في المناجاة فقال (عليه السّلام): إلهي كفى لي عزاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً أنت كما أُحب فاجعلني كما تحب، وأما اللاتي في الحكمة فقال (عليه السّلام): قيمة كل امرئ ما يحسنه، وما هلك امرء عرف قدره، والمرء مخبوٌ تحت لسانه، وأما اللاتي في الأدب فقال (عليه السّلام): امنن على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره». [الخصال: ص420]
وقال عباس محمود العقاد: «وللذوق الأدبي -أو الذوق الفني- ملتقى بسيرته (عليه السّلام) كملتقى الفكر والخيال والعاطفة لأنه رضوان الله عليه كان أديباً بليغاً، له نهج من الأدب والبلاغة يقتدي به المقتدون، وقسط من الذوق مطبوع يحمده المتذوقون وإن تطاولت بينه وبينهم السنون. فهو الحكيم الأديب والخطيب المبين، والمنشئ الذي يتصل إنشاؤه بالعربية ما اتصلت آيات الناشرين والناظمين». [عبقرية الإمام علي: ص7]
وقد انصف محمد بن إدريس الشافعي إذ قيل له: «ما تقول في عليٍّ (عليه السّلام)؟ فقال: وماذا أقول في رجلٍ أخفت أولياؤه فضائلَه خوفاً، وأخفت أعداؤه فضائلَه حسداً، وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين». [حلية الأبرار: ج2،ص136]
قال الشيخ محمد بن طلحة الشافعي: «فالفصاحة تنسب إليه والبلاغة تنقل عنه والبراعة تستفاد منه، وعلم المعاني والبيان غريزة فيه». [مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ص242]
سلام الله عليك سيدي ويا مولاي يا أبا الحسن يا أمير المؤمنين.

بقلم : السيد عباس أبو الحسن

نشرة التبليغ العدد 38

http://www.tablighdini.com/box/subnashra.asp?nashraID=39


لا توجد تعليقات، كن الأول بكتابة تعليقك