منشورات نشرة التبليغ الديني »

الهداية على ضوء الكتاب والسنة

الهداية على ضوء الكتاب والسنة

قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). [الفاتحة 6 : 7]
بعدما ذكره اللَّه سبحانه في بداية سورة الفاتحة، ما نتلوه نحن الموحدون المؤمنون من إيماننا واعتقادنا باللَّه عز وجل من الحمد والثناء عليه وشهادتنا لله بأنه رحمن رحيم وأنه مالك يوم الدين، وبعد ذكر مخاطبتنا لربنا بأننا نعبده ولا نعبد غيره ونستعين به دون غيره، ذَكَرَ اللَّه عز وجل هذه الآية التي نرددها كل يوم ونطلب منه عز وجل تحقيقها لنا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة : 6]، فيا تُرى ما هي هذه الهداية التي نطلبها من اللَّه عز وجل، فهل هي غير هداية الإسلام والإيمان، أم هي نفس تلك الهداية ولكن على نحو التثّبت والبقاء عليها.
نقول: بعد التأمل والتدبر في كتاب اللَّه عز وجل وآياته نرى أنّ الهداية التي يطلبها المسلم في صلاته غير حاصلةٍ له، وإنما يَطلِبُ حصولَها من ربه، وبيانُ ذلك: إنّ الهداية من اللَّه عز وجل تنقسم إلى قسمين: هدايةٌ عامة وهدايةٌ خاصة، والهداية العامة تارة تكون تكوينية وأخرى تشريعية.
أما الهداية العامة التكوينية: وهي التي أعدها اللَّه سبحانه في طبيعة كل الموجودات، جماداً كانت أو نباتاً أو حيواناً، فكلٌ من هذه الكائنات أعطاها اللَّه هدايةً تكوينيةً نحو التكامل أي أودع فيها قوة الاستكمال، ألا ترى كيف تهتدي النباتات إلى نموها، وكيف تهتدي الحيوانات بفطرتها وغريزتها التي أودعها اللَّه بها إلى رزقها والهروب من عدوها، فالفأرة تهرب من الهرة، من أول يوم تولد فيه ولا تهرب من الشاة، والنحل يهتدي إلى بناء مجتمعٍ وخلايا متناسقةٍ، وكذلك بقية الخلق قال تعالى: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى). [طه : 50]
وأما الهدايةُ العامة التشريعيةُ التي هدى بها عباده دون استثناء -وإن كان ينتفع بها المؤمنون المسلمون فقط- فأرسل لهم أنبياءَ ورسلَ مبشرينَ ومنذرينَ، وأعطاهم العقلَ وهداهم سبيلَ الحق والباطل، وقرن مع رسله دلائل وبراهين تبيّنَ صدقهم قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً). [الإنسان : 3]
أما الهداية الخاصة: فهي هداية تكوينةٌ وعنايةٌ ربانيةٌ خاصة يختص بها اللَّه سبحانه وتعالى من يشاء من عباده حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته، فيهيء لهم ما يهتدون به إلى كمالهم الموصل إلى المقصود، ولولا هذه العناية وهذا التسديد لوقع المؤمن في الغيِّ والانحراف والضلال، ومن تتبع آيات القران الكريم والأحاديث الشريفة وجد الشواهد في القرآن كثيرة، فمنها: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة : 272]، ومنها: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص : 56]، ومنها: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) .[العنكبوت : 69] إلى غير ذلك من الآيات التي يستفاد منها اختصاص هداية اللَّه تعالى وعنايته الخاصة بطائفة دون بقية الناس، فالمسلم بعد ما اعترف بأنّ اللَّه قد مَنّ عليه بهداية عامة تكوينية وتشريعية يطلب من اللَّه أن يهديَه بهدايتِه الخاصةِ التكوينيةِ التي يختص بها من يشاء من عباده، وعن الإمام الصادق (عليه السّلام) في قوله عز وجل : «(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: يقول: ارشدنا إلى الطريق المستقيم أي ارشدنا للزوم الطريق المؤدى إلى محبتك والمبلغ دينك والمانع من أن نتبع أهوائنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك». [بحار الأنوار: ج89، ص228]
وهذه الهداية التي نطلبها والتي تنقذنا من الضلال والإنحراف والغي وتسلك إلى سُبل النجاة هي الهداية إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج به، وهذا صراط واحد لا ثاني له يتمثل بمن خُلق الوجود من أجلهم الذين هم تراجمة وحي اللَّه عز وجل والطريق إليه هم محمد وآل محمد (عليهم السّلام) فعن الإمام أبي عبد اللَّه الصادق (عليه السّلام) قال: «الصراط المستقيم أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السّلام)». [بحار الأنوار: ج35، ص366]
فصفوة القول: أنّ البشر بطبعه في معرض الهلاك والطغيان وعليه أن لا يتكل على نفسه، بل يستعين بربه كما أقرّ له بذلك (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة : 5]، ليهديه لطريق الحق الذي به نجاته وعدم هلاكه.

بقلم : السيد عباس أبو الحسن

نشرة التبليغ الديني العدد 36
http://www.tablighdini.com/box/subnashra.asp?nashraID=37


لا توجد تعليقات، كن الأول بكتابة تعليقك