منشورات نشرة التبليغ الديني »

رسالة الحقوق

رسالة الحقوق

قال تعالى: ?وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً?. [ال عمران: 103]
الأخوَّة مصدر من التآخي، وهو اتخاذ الإخوان بينهما إخاءً وأُخوة، والإخوان: جمع أخ، ويجمع إخوة أيضاً، والأخ من النسب معروف، وقد يكون الصديق والصاحب، وأكثر ما يستعمل الإخوان في الأصدقاء، والإخوة في الولادة وأخوة الصداقة والصحبة علاقة اجتماعية لها معانٍ جليلة، حتى ورد عن الامام علي (عليه السَّلام): «رُبَّ أخٍ لك لم تَلده أمك». [ميزان الحكمة: ج1، ص38]
هذه ألفاظ تدخل في المعنى المراد بالأخوة، فالأخ والصديق والصاحب والخليل كلمات تتقارب في المعنى، وقد تتداخل حسب درجات الصداقة. قال الغزالي: الصداقة تتفاوت، فإنها إذا قويت صارت أخوة، فإن ازدادت صارت محبة، فإن ازدادت صارت خلة، والخليل أقرب من الحبيب، فالمحبة ما تتمكن من حبة القلب، والخلة ما تتخلل سر القلب، فكل خليل حبيب، وليس كل حبيب خليلا. [إحياء علوم الدين: ج6، ص3] والصاحب: يدل على مقارنة شيء ومقاربته، ومن ذلك الصاحب: الملازم ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته. والصديق: انما سمي الصديق صديقاً لصدقه فيما يدعيه من المودة، وقيل لحكيم: أيما أحب إليك أخوك أو صديقك؟ قال: أخي إذا كان صديقاً. وهذا مختص بالإنسان دون غيره. والخليل: الصديق الخالص الذي تخللت محبته القلب فصارت في خلالة اي في باطنه، فالخلّة صفاء المودة وتخللها في القلب. وقيل لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح. تنقسم الأخوة إلى أخوة عامة، وأخوة خاصة: أمّا الأولى فيشترك فيها كل مسلم آمن بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً وهذه الأخوة لها حقوق وأداب عامة. وأما الأخوة الخاصة، فهي بين الإنسان وبين من يتخذه من أخ وصاحب وصديق وخليل، وهذه مع ما لها من الحقوق والآداب العامة لها حقوق وآداب خاصة. ومن الطبيعي لا يستوي الإخوان جميعاً في مؤاخاتهم، فمنهم من هو أقرب من الآخر، ولا يطلب حاجته إلا منه، ولا يستغني عنه كالغذاء، ومنهم من لا يحتاجه إلا لماماً كالدواء، ومنهم من لا يحتاج اليه أبداً، بل ويستثقل قربه كالداء. والذي يعين ولا يستعين فهو كريم الطبع مشكور الصنع ولمن وجده وعليه أن يثني عليه خنصره، ويعض عليه ناجذه. ومنهم من يستعين ولا يعين فهو لئيم كَل، فلا خيره يرجى، ولا سرّه يُؤمن. ومنهم المعين والمستعين فهو معاوض منصف يؤدي ما عليه، ويستوفي ما له، وهو أعدل الإخوان. ومنهم من لا يعين ولا يستعين، فهو صديق لا يرجى، وأول الحقوق بين الأخوين:
1_ صدق المودة: أن يضمر في قلبه مثل ما يظهره فيكون صادقاً في وده سراً وعلانية. أن يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، وأن يبدأه السلام ويبش في وجهه عند لقائه وأن يوسع له في المجلس، وأن يشيعه عند قيامه، وألا يعده ويخلف، فإنه نفاق، فيعامله بما يحب أن يعامل به.
2_ الاعانة على قضاء حوائج الدنيا: وهذا الأمر مما ندب إليه الإسلام، ورتب عليه الأجر العظيم، لأنه أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ان تكشف كربته، وتقضي دينه، وان يمشي في حاجته ولا يكلفه شيئاً من حاجاته مما قد يصعب عليه.
3_ تفقد حاله والسؤال عنه وزيارته.
4_ ألا تستمع الى أقوال الناس في صديقك وأخيك.
5_ ألا تصادق عدو صديقك وأخيك.
وبذلك تصبح الأخوة أقوى وأهم واعظ من رباط القرابة والنسب والدم. لأنها أصبحت موثوقة برباط إلهي، ومن خلالها جعلت الغني في الإسلام أخاً للفقير دون استكبار والأبيض أخاً للأسود دون تمييز، ولقد كان في المدينة المنورة رجال ضربوا أجمل الأمثلة في توطيد الأحاسيس، فالأخوة نموذج لمجتمع أخلاقي متماسك ومتعاون، فكانت الأخوة وقاية من الأمراض التي يعاني منها الفرد والجماعة. فالأخ المخلص لأخيه يشكل قوة للفرد، ومن هنا طلب النبي موسى (عليه السَّلام) من ربِّه ان يرسل معه أخيه هارون ليشدد به أزره، لأنه بفقد الأخ ينكسر الانسان ويضعف، وتقل حيلته، فكيف اذا كانت الأخوة العامة تلتقي مع أخوة الدم والنسب؟! فقد ورد «أنَّه قدِم لقمان من سفر فلقي غلامه في الطريق فقال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري» [بحار الانوار: ج13، ص424]. فكيف إذا كانت الأخوة كأخوة الحسين (عليه السَّلام) والعباس (عليه السَّلام)؟ اللتي كانت مفعمة بالود، والخلة، والمحبة، والاخلاص، والصدق والوفاء، والحمية، والغيرة، ولهذا صاح سيد الشهداء (عليه السَّلام) لما سقط أبو الفضل (عليه السَّلام) صريعاً في كربلاء: الآن انكسر ظهري، الآن شمت بي عدوي، وقَلَّت حيلتي.
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

بقلم : السيد عباس أبو الحسن

نشرية التبليغ العدد 34
http://www.tablighdini.com/box/subnashra.asp?nashraID=35


لا توجد تعليقات، كن الأول بكتابة تعليقك