منشورات نشرة التبليغ الديني »

أسباب شهادة الإمام الباقر عليه السلام

أسباب شهادة الإمام الباقر عليه السلام

رغم ابتعاد الإمام الباقر عليه السلام، ومن قبله أبوه الإمام السجّاد عليه‌ السلام، عن كل ما يمت بصلة إلى السلطة ورموز بلاطها، إلاّ أنّه كان يمثل بالنسبة للسلطات الأُمويّة هاجسًا من الخوف المشوب بالغيرة والحقد ونصب العداء، ويدخل ذلك ضمن الثقافة التي توارثها الأبناء عن الآباء من رجالات السلطة، ذلك لأنّهم كانوا يدركون خطورة النشاط الذي يمارسه عليها، لكونه مصدر الوعي الإسلامي الصحيح ورائد الحركة الاصلاحية في الأُمّة التي تكنّ له التبجيل والاحترام، فعملت السلطة على تصفيته جسدياً، ولجأت إلى سلاحها المعهود، فاغتالته بالسم في زمان هشام بن عبد الملك، الذي نقل أنّه كان شديد العداوة والعناد لأبي جعفر الباقر عليه‌ السلام ولأهل بيته، ولكن الروايات لم تذكر تفاصيل أسباب دسّ السم إليه وكيفية شهادته.
من الأسباب التي ترجح لاستشهاده سلام الله عليه
1- سُمو شخصيته (عليه السلام):
لقد كان (عليه السلام) أسمى شخصية في العالم الإسلامي، فقد أجمع المسلمون على تعظيمه والاعتراف له بالفضل، وكان مقصد العلماء من جميع البلاد الإسلامية، حيث أسّس جامعة أهل البيت (عليهم السلام) التي تخرّج منها آلاف العلماء في شتى أبواب العلوم، وكان (عليه السلام) قد ملك عواطف الناس، واستأثر بإكبارهم وتقديرهم؛ لأنّه العلَم البارز في الأُسرة النبوية، وقد أثارت منزلته الاجتماعية غيظ الأُمويين وحقدهم، فأجمعوا على قتله للتخلّص منه.
2- أحداث دمشق:
لم يستبعد الباحثون والمؤرّخون تأثير أحداث دمشق في دفع الأُمويين إلى قتل الإمام (عليه السلام)، وذلك لما يلي:
أوّلاً: تفوّق الإمام (عليه السلام) في الرمي على بني أُميّة وغيرهم، وذلك حينما دعاه هشام إلى الرمي ظانّاً بأنّه (عليه السلام) سوف يفشل في رميه فلا يصيب الهدف، فيتّخذ ذلك وسيلة للحَطِّ من شأنه والسخرية به أمام أهل الشام، ولمّا رمى الإمام (عليه السلام) وأصاب الهدف عدّة مَرّات بصورة مذهلة لم يُعهَد لها نظير في رمي السهام من قبل، ذُهِل الطاغية هشام وأخذ يتميّز غيظاً، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وصمّم على اغتياله:
ثانياً: مناظرته (عليه السلام) مع هشام في شؤون الإمامة وتفوّق الإمام عليه، حتّى بان على هشام العجز، مما أدّى إلى حقده عليه.
ثالثاً: مناظرته (عليه السلام) مع عالم النصارى وتغلُّبه عليه، حتّى اعترف بالعجز عن مجاراته أمام حشد كبير منهم، معترفًا بفضل الإمام (عليه السلام) وتفوّقه العلمي في أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله)، وقد أصبحت تلك القضية بجميع تفاصيلها الحديث الشاغل لجماهير أهل الشام، ويكفي هذا الصيت العلمي أيضاً أن يكون من عوامل حقد هشام على الإمام (عليه السلام)، والتخطيط للتخلّص منه.
كلّ هذه الأُمور بل وبعضها كان يكفي أن يكون وراء قتله (عليه السلام) على أيدي زمرة جاهلية افتقرت إلى أبسط الصفات الإنسانية، وحُرِمت من أبسط المؤهّلات القيادية. (راجع كتاب أمان الأخطار للسيد ابن طاووس وكتاب دلائل الإمامة للطبري الامامي).
3- غير أنّ هناك رواية طويلة لأبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه‌ السلام)، جاء فيها أنّ سبب إقدام السلطة على قتل الإمام عليه‌ السلام هو وشاية زيد بن الحسن إلى عبد الملك بن مروان، وأنّه قال له حين دخل عليه: أتيتك من عند ساحر كذّاب لا يحلّ لك تركه، وأنّ عنده سلاح رسول الله وسيفه ودرعه وخاتمه وعصاه وترِكته، مما أثار حفيظة عبد الملك بن مروان، وذلك لأنّ زيدًا خاصم الإمام الباقر عليه‌ السلام في ميراث رسول الله إلى القاضي، ثمّ أنّ عبد الملك بعث بسرج إلى الإمام الباقر عليه‌ السلام، فلما أسرج له نزل متورّماً، وعاش ثلاثاً، ثم مضى إلى كرامة ربّه (بحار الأنوار 46 : 329 / 12).
شهادته (عليه السلام):
وأخيراً، بعد أن فشلت السياسة الأموية في الحَدِّ من تحرك الإمام (عليه السلام)، فقد رأت السياسة المنحرفة أنه ليس لديها بديل عن اغتياله (عليه السلام)، وهكذا دُسَّ إليه السُّمَّ في زمن الخليفة الأمويّ هشام، فرحل (عليه السلام) إلى رَبِّه الأعلى في السابع من ذي الحجة، عام (114 هـ) صابراً، محتسباً، شهيداً، فَسَلامٌ عليه يوم وُلِدَ، ويوم رَحَلَ إلى ربه، ويوم يُبعَثُ حَيّاً.

بقلم : السيد عباس السيد ابراهيم ابو الحسن

نشرةة التبليغ العدد 26
http://www.tablighdini.com/box/subnashra.asp?nashraID=27


لا توجد تعليقات، كن الأول بكتابة تعليقك