منشورات نشرة التبليغ الديني »

ظروف نهضة الإمام الصادق (ع) العلميّة

ظروف نهضة الإمام الصادق (ع) العلميّة

إنّ ما ارتكبه بنو أمية وبنو مروان من جرائم وفسق وفجور وتهتك وظلم واعتداء، -ابتدأ من متصنع الحلم والمداراة، داهية الغدر والخيانة معاوية بن أبي سفيان، الذي زين خلافته بمحاربة سيد الوصيين وإمام المتقين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) ولعنه على المنابر، وقتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام المجتبى (عليه السلام)، ومروراً بأمير الفسقة والفجرة ملاعب القردة شارب الخمر والزاني بالمحارم يزيد بن معاوية، الذي جرت على يديه أبشع وأفظع حادثة في تاريخ البشرية وهي واقعة الطف سنة 61 للهجرة، حيث قتل سبط النبي المختار (صلى الله عليه وآله) سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين (عليه السلام)، وسبى نساءه وأطفاله من كربلاء إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام، والذي تشفى بقتله للحسين وهو يضرب رأس السبط الشهيد (عليه السلام)، واستباح المدينة وهدم الكعبة- جعل قلوب الناس تثور عليهم وتقوم ضدهم، سواء من أخلص النية أم غيرهم، فبدأت الثورات وخاصة بعد واقعة كربلاء للثأر لآل محمد (عليهم السلام)، فقامت ثورة التوابين، تلتها ثورة المختار الثقفي رحمه الله، الذي أدخل الفرح والسرور على قلب الإمام السجاد عليه السلام وقلوب الهاشميات بقتله كل من اشترك في واقعة كربلاء.
ومن جملة من ثار على بني أمية وبني مروان بنو العباس بقيادة السفاح العباسي، ورفع شعار الرضا من آل محمد (عليهم السلام)، فأخذ بالثأر من بني أمية وقام بملاحقتهم وقتلهم أينما كانوا.
وفي خضم هذا الصراع الأموي العباسي كانت المرحلة الملائمة للإمام الصادق (عليه السلام)، فاستغل انشغال أعدائه عنه ليقوم بنشر علوم آل محمد (صلوات الله عليه أجمعين)، فسنحت له (عليه السلام) الفرصة كما سنحت قبله لوالده الإمام الباقر (عليه السلام)، فأخذ بنشر العلوم في شتى أبوابها، وخرَّج الفقهاء والعلماء من جميع الفئات، حتى بلغ عدد العلماء الثقات ممن روى عنه أربعة آلاف عالم، كلهم يقول حدثنا جعفر بن محمد (عليه السلام).
قال الشيخ المفيد في الإرشاد: “إن أصحاب الحديث قد جمعوا الرواة عن الصادق من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف” (الإرشاد, ج2، ص179)
فكانت جامعة الإمام (عليه السلام) مصدراً للعلوم ومنبعاً يفيض على الأمة الإسلامية بالعلوم والمعارف الإسلامية. ولو تسنى لمدرسة الإمام (عليه السلام) البقاء لأدت رسالتها للأمة على أحسن ما تحتاجه وإن كانت قد أغنت في ذلك.
فكانت جامعة الإمام عليه السلام منفتحة على جميع الأمة بمختلف أعراقهم وأفكارهم ومذاهبهم، وعلم رجالاً يدافعون عن العقيدة والدين، يحاورون كل من يحمل فكرا ضالاً وقد أخذوا عنه ذلك.
لذلك لو راجعنا حوارات واحتجاجات الإمام الصادق (عليه السلام) في كتب الاحتجاج أو السيرة الخاصّة به، للاحظنا عدّة ظواهر لافتة للنظر:
* إنّ أكبر نسبة من الاحتجاجات هي مع رموز الملاحدة والزنادقة في عصره، مثل الديصانيّ وابن أبي العوجاء.
* يأتي الاحتجاج مع أصحاب الرأي والقياس في الدرجة الثانية من مجموعة الاحتجاجات المأثورة عنه (عليه السلام).
* تتنوّع أطراف الحوار مع الإمام (عليه السلام) إلى أنواع المعتقدات، بدءاً من الإنكار لوجود الله تعالى وانتهاءً بالسلوكيّات المنحرفة وأصحاب الفهم الخاطئ لمسيرة الشريعة.
ومن مميّزات جامعة الإمام الصادق (عليه السلام):
* أنها تتميّز عن غيرها في أنّها لم تنغلق في المعرفة فحسب، وإنّما انفتحت لتضمّ طلاب المعرفة والعلم من مختلف الاتّجاهات، فهذا أبو حنيفة الذي كان يخالف الإمام (عليه السلام) في منهجه، روى وحدّث عنه عليه السلام، واتصل به في المدينة مدّة من الزمن، وقد اشتهر قوله: (لولا السنتان لهلك النعمان).
* لم يقتصر علم الإمام عليه السلام على حقل واحد -كالفقه أو الكلام مثلاً ليكون سبباً لمخاطبة وجذب فئة محدودة من الناس- وإنّما تناولت جامعته العلميّة مجموعة العلوم الدينيّة وغير الدينيّة، وتربّى فيها كبار العلماء في مختلف فروع المعرفة الإسلاميّة والبشريّة. والعلوم الّتي تناولتها جامعته (عليه السلام) بالبحث والتدريس هي: علم الفلك، والطبّ، والحيوان، والنبات، والكيمياء، والفيزياء، فضلاً عن الفقه والأصول والكلام والفلسفة وعلم النفس والأخلاق.
* تألّقت جامعة الإمام (عليه السلام) بمنهجها العلميّ السليم وعمقها الفكريّ واتجاهها العقائديّ التربويّ الإصلاحيّ، فقد خرّجت هذه الجامعة شخصيّات كبرى ونماذج مُثلى بالعطاء السخيّ للأمّة، بحيث أصبح الانتماء إلى مدرسة الإمام (عليه السلام) وجامعته يعدّ من المفاخر..
ومن جملة من تخرج من تحت يده (سلام الله عليه) أقطاب العلم عند العامة وأصحاب المذاهب، أذكر اسماء بعضهم دون تفصيل:
1- أبو حنيفة النعمان بن ثابت رئيس مذهب الحنفية. 2- مالك بن أنس رئيس مذهب المالكية. 3- سفيان الثوري من رؤساء المذاهب. 4- سفيان بن عيينة. 5- شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي. 6- حاتم بن اسماعيل. 7- فضيل بن عياض التميمي اليربوعي.
أما من مذهبنا، فمنهم: أبان بن تغلب – هشام بن الحكم – هشام مؤمن الطاق – الحارث الهمداني – حماد بن عيسى – المفضل بن عمر الجعفي – جميل بن دراج – صفوان بن مهران – جابر بن حيان – عبد الله بن بكير بن أعين الشيباني – زرارة بن أعين – عبد الله بن أبي يعفور، وغيرهم الكثير.

بقلم : السيد عباس أبو الحسن

نشرة التبليغ الديني العدد 18
http://www.tablighdini.com/box/subnashra.asp?nashraID=19


لا توجد تعليقات، كن الأول بكتابة تعليقك