بحوث قرآنية » مقالات السيد »

تفسير ميسر لسورة الحجرات ج1

تفسير ميسر لسورة الحجرات ج2

بسم  الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم بقائمهم

 

تفسير سورة الحجرات

 

بسم الله الرحمن الرحيم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان

أتقدم منك سيدي ومولاي يا صاحب الزمان بأعز التهاني والتبريكات بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك شهر المغفرة والرحمة راجين من الله عز وجل أن يمن علينا بعتق رقابنا من النار وأن يمن علينا بظهورك يا مولاي

كما وأتقدم من مراجعنا العظام في النجف الأشرف وقم المقدسة ومن علماء الطائفة العلوية جمعاء ومنكم أخوتي وأخواتي بحلول هذا الشهر المبارك

وها أنا أقدم بين أيديكم  تفسير موجز لسورة الحجرات راجٍ من العلي القدير أن يسددنا لما فيه  الصلاح والرضا والخير والعافية …

 

وسأقسمها سبعة أقسام

القسم الأول : سيبن من خلال آياتها طريقة المعاملة مع النبي صلى الله عليه وآله

القسم الثاني : الذي سيبين من خلال آياتها الأصول الأخلاقية الاجتماعية التي بحفظها وتدبرها تنتشر المحبة والصفاء والأمن والإتحاد الاجتماعي

القسم  الثالث : سيبين من خلال آياتها الأوامر الإرشادية المتعلقة بكيفية مواجهة النازعات والاختلافات الاجتماعية

القسم الرابع: سيبين من خلال آياتها  معيار قيمة الإنسان عند الله وأهمية التقوى

القسم الخامس : سيبين من خلال آياتها أن الإيمان بالعمل لا بالقول

القسم السادس: سيبين من خلال آياتها أن الإيمان والإسلام هدية من الله عز وجل

القسم السابع والأخير : سيبين من خلال آياتها عن علم الله وإطلاعه على جميع أسرار الوجود وعن أعمال الإنسان….

قبل الشروع في تفسيرها نذكر بعض الأحاديث في فضلها

في كتاب ثواب الأعمال وعقابها : قال : من قرأ سورة الحجرات في كل ليلة أو في كل يوم كان من زوار محمد صلى الله عليه وآله (تفسير نورالثقلين ج7 ص 87 )

في مجمع البيان : أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات ، بعدد كلّ من أطاع الله ورسوله ومن عصاه " (نفس المصدر ) 

 

 

 

القسم الأول

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ  (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)

 

اللغة:  (تقدموا ) قدم تقديماً وأقدم إقداماً واستقدم وقدم وكل ذلك بمعنى تقدم

(الجهر) : ظهور الصوت بقوة الإعتماد (يغضون ) الغض الحط من منزلة على وجه التصغير يقال غض فلان من فلان إذا صغر حالة من هو أرفع منه وغض بصره إذا ضعفه  عن حدة النظر (الإحباط ) الإبطال  يقال أحبَطَ عَمَل الكافر أي أبطله والمراد هنا سقوط ثواب العمل الصالح بالمعصية المتأخرة

 

سبب نزول هذه الآيات

 

 

في تفسر علي بن إبراهيم L يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) نزلت في وفد بني تميم ، كانوا إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقفوا على باب حجرته فنادوا : يا محمد أخرج إلينا ، وكانوا إذا خرج رسول الله  صلى الله عليه وآله تقدموه في المشي وكانوا إذا كلموه رفعوا أصواتهم فوق صوته ويقولون: يا محمد يا محمد ما تقول في كذا كما يكلمون بعضهم بعضاً فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

تفسير

نلاحظ في هذه الآيات كما أشرنا في أقسام هذا البحث أن هذه الآيات تتكلم عن الآداب والأخلاق مع النبي صل الله عليه وآله والآيات تتحدث عن أمرين

الأول : عدم التقدم على الله  ورسوله وعدم رفع الصوت عند رسول الله صل الله عليه آله

طبعاً التقدم بين يدي الشيء هو أمامه وهو استعمال مجازي وأما إضافته إلى الله ورسوله معاً دليل على أنه أمر مشترك بينه تعالى وبين رسوله وهو مقام الحكم المختص الذي يختص بالله  سبحانه وبرسوله بإذنه تعالى

والمراد بعدم التقدم بين يدي الله  ورسوله هو أن لا يُقترح عليهما في الأمور وترك العجلة والإسراع أمام أمر الله ورسوله ولكن هذا لا يعني أنه لا يجوز لهم مشاورة النبي إذا أقتضى الأمر لذلك بل المراد عندم التقدم والتصميم والاقتراح قبل أن يبدي عليه الصلاة والسلام أي كلام في الأمر

 

الأمر الثاني :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) عدم رفع الصوت على صوت النبي فهو (الصوت العالي )بنفسه نوع من الإساءة الأدبية  في مخضره المبارك 

أما جملة " وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ " فتحتمل معنيين ، الأول أن تكون تأكيد للمعنى السابق من عدم رفع الصوت فوق صوت النبي والثاني غير ذلك بل إشارة إلى أمر آخر وهو ترك مخاطبة النبي صل الله عليه وآله بالنداء "يا محمد " كما مر في الحديث " والعدول عنه إلى " يا رسول الله "

ثم يذكر سبحانه أنه من يغض صوته أي يخفضه أما النبي صل الله عليه وآله فؤلئك من أمتحن الله قلوبهم بالإيمان ولهم على ذلك مغفرة وأجر عظيم

 

وأما الأية " إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ " فإنها تشير إلى جهل هؤلاء القوم الذين يجعلون أمر الله وراء ظهورهم وعدم إدراكهم فأي عقل لهم وأي أدب لهم إن كانوا يتكلمون مع نبي الله وسفيره الأعظم بهذه الطريقة المخلة بالآداب نعم لو كانوا عقلاء لكان كلامهم بحدود الادب لان العقل كلما ترقى زيد في أدبه فعرف القيم والأخلاق وعليه فإن إساءة  الأدب دليل على عدم العقل

 

أم قوله تعالى " أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ " الأكثر في اللغة يطلق بمعنى الجميع  وإنما استعمل هذا اللفظ رعاية لاحتياط في الأدب  لأنه قد يكون هناك عقلاء ولكن لعادة الناس وعدم التفا تهم تصدر منهم هذه الأمور فقال سبحانه أن أغلبهم وليس كلهم لا يعقلون

 

الأدب أعلى القيم

اهتم الإسلام اهتماماً كبيراً في مسألة رعاية الآداب والتعامل مع الآخرين مقرونا بالاحترام والأدب

يقول الإمام علي عليه السلام "الآداب حللٌ مجددة"

ويقول في مكان آخر" الأدب يغني عن الحسب"

وعن الإمام الصادق عليه السلام يقول فيه " أي الأدب " خمس من لم يكن فيه لكم يكن كثير فيه مستمتع ؛ قيل : ما هن يا بن رسول الله  قال عليه السلام : الدين والعقل والحياء وحُسن الخلق وحسن الأدب "

 

وكما يجب على الإنسان المؤمن ألا يتقدم بين يدي رسول الله ولا يرفع صوته على صوت النبي كذلك الحال مع الإمام

وكذلك الحال مع الوالدين فيقول الله تعالى " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا 23 وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (سورة الإسراء 23 24 )

 

رسول الله صلى الله عليه وآله : لما سئل عن حق الوالدين على ولدهما قال : هما جنتك ونارك

الإمام الصادق عليه السلام قال في قوله تعلى " وبالوالدين إحسانا " : الإحسان أن تحسن صحبتهما وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئاً مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين

سال ابن مسعود رسول الله  صل الله عليه  وآله عن أحب الأعمال إلى الله تعالى  فقال : الصلاة على وقتها قلت : ثم أيُّ ؟ قال: بر الوالدين .

الإمام الصادق عليه السلام : أدنى العقوق " أف " ولو علم الله عز وجل شيئاً أهون منه لنهى عنه

وعنه عليه السلام في قوله تعلى : " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ " لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمةٍ ورقة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدم قدامها

 

رسول الله صل الله عليه وآله : من الكبائر شتم الرجل والديه ، يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه

 

والحمد لله رب العامين وإلى هنا أكون قد أنتهيت  وإياكم من التفسير الموجز من القسم الأول من سورة الحجرات راجين من المولى عز وجل أن يسددنا وإياكم  في أكمال ما بدأنا  به

والصلاة والسلام على اشرف خلقه وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد على آله الطيبين الطاهرين

 

 

 

 

 

 

القسم الثاني من سورة الحجرات

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ 6 وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ 7 فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 8

 

اللغة :

الفاسق الخارج عن الطاعة إلى المعصية ، والنبأ الخبر العظيم الشأن ، والتبين  والإستنابة والإبانة وكلها بمعنى  واحد والمعنى  الإيضاح والإظهار يقال : تبينت الأمر واستبنته وأبنته أي أوضحته وأظهرته ، العنت المشقة  لعنتم أي لجهدتم وهلكتم ، والإطاعة الانقياد ولكن كثير ما يقال الطاعة في الإئتمار لما أمر والارتسام لما رسم .

 

سبب النزول : نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه برحابه وكانت بينهم عداوة في الجاهلية فظنَّ أنهم هموا بقتله فرجع إلى  رسول الله صلى الله عليه وآله وقال إنهم منعوا  صدقاتهم وكان الأمر بخلافه فغضب النبي لله صلى الله عليه وآله وهم أن يغزوهم فنزلت الآية ( تفسير مجمع البيان ج9 ص 168 )

 

التفسير :

إن حياة الإنسان حياة علمية عملية يبني طريقها من خلال ما يشاهده من الخير والشر  والنافع والضار والرأي الذي يأخذ به في هذه الحياة ولا يتيسر له أن يبني طريقه في الحياة إلا بما يشاهده  وما غاب عنه كثير مما تتعلق به حياته ومعاشه  فاضطر الإنسان إلى تتم ما عنده من العلم بما هو عند غيره من العلم الحاصل بالمشاهدة والنظر ولا طريق إليه إلا السمع وهو الخبر

فلذلك ركز القرآن على أنه إذا اضطر الإنسان إلى أخذ الأخبار أو العلوم الغيبية أو الأخبار من الآخرين لا بد وأن يأخذها من إنسان ثقة مؤمن عادل  ولا يأخذها من فاسق لأن الفاسق وهو الخارج عن طريق الحق  يحتمل احتمال كبير جداً أن يكون كاذباً فيما يقول فإذا بنى الإنسان على هذا الخبر وحكم به ففي بعض الأحيان قد يظلم إنسان أو يؤدي إلى دمار أمة أو هلاك مجتمع أو هلاك نفسه فلذلك ركز القرآن على أنه إن جاءكم فاسق بنئ فتبينوا وتفحصوا جيدا ًقبل الحكم  وقبل الأخذ بهذا القول

فلو لم يتبين الإنسان من خبر الفاسق واعتمد عليه فإن وقع ظلم لشخص أو لنفسه فهل يا ترى ينفع الندم فقد قال جل اسمه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)

 

ثم يعود سبحانه يرشد الناس ويعظهم ويأمرهم بالتعقل  وعدم التقدم على النبي صلى الله عليه وآله  فيقول  جلَّ اسمه " وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ " أي يجب عليكم أن ترجعوا إليه بالأمر وتسيروا وفق رأيه لا أن تقترحوا عليه ولا أن تتقدموا عليه بالرأي و إلا لهلكتم

 

" وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ" استدراك عما تدل عليه الجملة السابقة " لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ" من أنهم مشرفون بالطبع على الهلاك والغي والظلال بإتباعهم هواهم وعدم الإئتمار بأمر النبي "صلى الله عليه وآله "   فاستدرك أن الله سبحانه أصلح ذلك بما أنعم عليهم من تحبيب الإيمان وتكريه الكفر والفسوق والعصيان

والمراد بتحبيب الإيمان جعله محبوباً عندهم  وبتزينه في قلوبهم تحلية بجمال يجذب قلوبهم إلى نفسه فيتعلقون به ويعرضون عما يلهيهم عنه

 

وقوله : "  وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ" تكريه الكفر وما يتبعه إليهم جعلها مكروهة عندهم تتنفر عنها نفوسهم

الفرق بين الفسق والعصيان : ـ على ما يل ـ  أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة إلى المعصية ، والمعصية نفس المعصية وإن شئت فقل : جميع المعاصي ، وقيل : المراد بالفسوق الكذب بقرينة الآية السابقة  " وهي أن خبر الفاسق خبر كاذب " والعصيان سائر المعاصي

 

وقوله :"  أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ" بيان أن حب الإيمان والانجذاب إليه وكراهة الكفر والفسوق والعصيان هو سبب الرشد الذي يطلبه الإنسان بفطرته ويتنفر عن الغي الذي يقابله فعلى المؤمنين أن يلزموا الإيمان ويجتنبوا الكفر والفسوق والعصيان حتى يرشدوا ويتبعوا الرسول ولا يتبعوا أهواءهم .

"فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً "تعليل لما تقدم من فعله تعالى بالمؤمنين من تحبيب الإيمان لهم وكره الكفر والفسوق والعصيان من أن ذلك فضل من الله نعمة 

 

 وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " أي أنَّ الله سبحانه عالم بما بفعل عالم بالمصالح والمفاسد عالم بما ينفع الإنسان وما يضره وحكيم متقن لفعله لا عبث فيه ولا لغوا

 

فائدة : الحكمة من الله تأتي على معنيين : أحدهما  : حكيم بمعنى أنَّ فعله في غاية الإحكام والإتقان وغاية الإتمام والكمال . وثانيها : حكيم بمعنى كونه الفاعل لا يفعل قبيحاً ولا يخل بواجب .

 

فائدة ثانية : كثير ما يرد في القرآن اسماء من أسماء الله سبحانه متتالية ك( عليم حكيم ، سميع عليم " فنلفت نظركم أن لكل أسم من هذه الأسماء موقعه من الآية فلكل اسم خاصية وتفسير لما سبق من الآية

فمثلاً مر في القسم الأول من هذه السورة " في الآية الأولى "  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)"  تعليل للنهي والتقوى فيه أي اتقوه بالانتباه عن هذا النهي فلا تقدموا قولاً بلسانكم ولا في سركم لأن الله سميع يسمع أقوالكم عليم يعلم ظاهركم وباطنكم وعلانيتكم وسركم

وقال تعالى في الآية : ) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"أي ولو أنهم صبروا عن ندائك فلم ينادونك حتى تخرج إليهم لكان خيراً لما فيه من حسن الأدب ورعاية التعظيم والتوقير لمقام الرسالة ، وكان ذلك مقرباً إلى مغفرة الله ورحمته لأنه غفور رحيم .

 

آيات وأحاديث في الفاسق

"الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"(التوبة 67 )

 

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ"  البقرة 99

 

 

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " المائدة 47

 

انظر البقرة 59 آل عمران 82 الأنعام 49 الأعراف 163 التوبة 84 الأنبياء 74 النور 4 النمل 12 القصص 32 العنكبوت 34 الأحقاف 20 الذاريات 46 الحشر 19

 

(رسول الله صلى الله عليه وآله  : أما علامة الفاسق فأربعة : اللهو واللغو والعدوان والبهتان

 

الإمام علي عليه السلام  : ألا فالحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبروا عن حسبهم وترفعوا فوق نسبهم … فإنهم قواعد أساس العصبية ودعائم أركان الفتنة … وهم أساس الفسوق وأحلاس العقوق

وعنه عليه السلام : في صفة أهل الضلال : آثروا وأخَّروا آجلاً وتركوا صافياً وشربوا آجناً كأني أنظر إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه وبسئ ووافقه حتى شابت عليه مفارقه وصبغت به خلائقه ) ميزان الحكمة ج 8 ص 3211

أعتمدت في تفسير هذه السورة على

تفسير الميزان  السيد الطباطبائي الحكيم

تفسير الأمثل  الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

 تفسير مجمع البيان  للشيخ الطبرسي

تفسير نور الثقلين للشيخ علي الحويزي

تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني

وكتاب ميزان الحكمة لمحمد الرشيهؤي

 

والحمد لله رب العالمين 2004 م 

يتبع ج 2

 


لا توجد تعليقات، كن الأول بكتابة تعليقك